الخميس، 2 ديسمبر 2010

صانع مصر الحديثة بين التاريخ والإدعاءات.

طلعت سلامة
صانع مصر الحديثة بين التاريخ والإدعاءات..
محمد على باشا أفضل من حكم البلاد وأسسها بالصناعات وأدخلها الإطار الآلى
ما أنفقته مصر من مدخراتها كان للباشا اليد العليا فى إرسائه تأمينا للبلاد
محمد
على باشا، راعى نهضة مصر الحديثة وحاكمها ما بين 1805 - 1848.. وكانت بداية حكمه مرحلة حرجة فى تاريخ مصر خلال القرن التاسع عشر حيث نقلها من عصر التردى والتخلف إلى أن أصبحت دولة قوية، وبلمحة سريعة على نشأتة نرى أنه ولد فى مدينة قولة الساحلية فى شمال اليونان عام 1769، وكان أبوه إبراهيم آغا رئيس الحرس المنوط بخفارة الطويف فى البلدة وكان له سبعة عشر ولداً لم يعش منهم سواه، وقد مات عنه أبوه وهو صغير السن، ثم لم تلبث أمه أن ماتت فصار يتيم الأبوين وهو فى الرابعة عشرة من عمره فكفله عمه طوسون الذى مات أيضاً فكفله الشوربجى صديق والده الذى أدرجه فى سلك الجندية فأبدى شجاعة وبسالة وحسن نظير وتصرف، فقربه الحاكم وزوجه من "أمينة هانم" وهى امرأة غنية وجميلة أنجبت له إبراهيم وطوسون وإسماعيل (وهى أسماء أبوه وعمه وراعيه)، وأنجبت له أيضاً بنتين.
قدومه إلى مصر:

حين قررت الدولة العثمانية إرسال جيش إلى مصر لانتزاعها من أيدى الفرنسيين كان هو نائب رئيس الكتيبة الألبانية والتى كان قوامها ثلاثمائة جندى، وكان رئيس الكتيبة هو ابن حاكم قولة الذى لم يكد يصل إلى مصر حتى قرر أن يعود إلى بلده فأصبح هو قائد الكتيبة.
وقد كان يسمى فى هذه الفترة محمد على أغا وقد كان محباً للبحيرة والتى استقر معظم أفراد أسرته بها بعد توليه حكم مصروظل فى مصر يترقى فى مواقعه العسكرية، وظل يواصل خططه للتخلص من خصومه إلى أن تخلص من خورشيد باشا وأوقع بالمماليك حتى خلاله كرسى الحكم بفضل الدعم الشعبى الذى قاده عمر مكرم.
ولايته:
بعد أن اختاره المصريون ليكون والياً على مصر فى 17مايو 1805 قضى على المماليك فى مذبحة القلعة الشهيرة وكانوا يكونون مراكز قوى ومصدر قلاقل سياسية مما جعل البلد فى فوضي. كما قضى على الإنجليز فى معركة رشيد وأصبحت مصر تتسم بالاستقرار السياسى لأول مرة تحت ظلال الخلافة العثمانية، وقد بدأ بتكوين أول جيش نظامى فى مصر الحديثة، وكان بداية للعسكرية المصرية أول مدرسة حربية فى أسوان فى جنوب مصر بعيداً عن أنظار الدول على كولونيل سليمان باشا الفرنساوى فى العصر الحديث، ومما ساعده فى تكوين هذا الجيش أن أشرف عليه الخبراء الفرنسيون بعد ما حل الجيش الفرنسى فى أعقاب هزيمة نابليون فى واترلو بروسيا.
وقد حارب الحجازيين والنجديين وضم الحجاز ونجد لحكمه سنة .1818
اتجه لمحاربة السودانيين عام 1820 والقضاء على فلول المماليك فى النوبة.. كما ساعد السلطان العثمانى فى القضاء على الثورة فى اليونان فيما يعرف بحرب المورة، إلاَّ أن وقوف الدول الأوروبية إلى جانب الثوار فى اليونان أدى إلى تحطم الأسطول المصرى فعقد اتفاقية لوقف القتال مما أغضب السلطان العثمانى، وكان قد انصاع لأمر السلطان العثمانى ودخل هذه الحرب أملاً فى أن يعطيه السلطان العثمانى بلاد الشام مكافأة له إلاَّ أن السلطان العثمانى خيب آماله بإعطائه جزيرة كريت والتى رآها تعويضاً ضئيلاً بالنسبة لخسارته فى حرب المورة، ذلك بالإضافة إلى بعد الجزيرة عن مركز حكمه فى مصر وميل أهلها الدائم للثورة، وقد عرض على السلطان العثمانى إعطاءه حكم الشام مقابل دفعه لمبلغ من المال إلا أن السلطان رفض لمعرفته بطموحاته وخطورته على حكمه، وإستغل ظاهرة فرار الفلاحين المصريين إلى الشام هرباً من الضرائب وطلب من والى عكا إعادة الهاربين إليه وحين رفض والى عكا إعادتهم بأعتبارهم رعايا للدولة العثمانية ومن حقهم الذهاب إلى أى مكان استغل ذلك وقام بمهاجمة عكا وتمكن من فتحها وإستولى على الشام وانتصر على العثمانيين عام 1833 وكاد أن يستولى على الآستانة العاصمة إلاَّ أن روسيا وبريطانيا وفرنسا حموا السلطان العثمانى فانسحب عنوة ولم يبقى معه سوى سوريا وجزيرة كريت.
وفى سنة1839 حارب السلطان لكنهم أجبروه على التراجع فى مؤتمر لندن عام 1840 بعد تحطيم أسطوله فى نفارين، وفرضوا عليه تحديد أعداد الجيش والإقتصار على حكم مصر لتكون حكماً ذاتياً يتولاه من بعده أكبر أبنائه.
سياسته:
تمكن من أن يبنى من مصر دولة عصرية على النسق الأوروبى، واستعان فى مشروعاته الاقتصادية والعلمية بخبراء أوروبيين ومنهم بصفة خاصة السان سيمونيون الفرنسيون الذين أمضوا فى مصر بضع سنوات فى الثلاثينات من القرن التاسع عشر وكانوا يدعون إلى إقامة مجتمع نموذجى على أساس الصناعة المعتمدة على العلم الحديث، وكانت أهم دعائم دولة محمد على العصرية سياسته التعليمية والتثقيفية الحديثة. فقد آمن بأنه لن يستطيع أن ينشئ قوة عسكرية على الطراز الأوروبى المتقدم ويزودها بكل التقنيات العصرية وأن يقيم إدارة فعالة واقتصاد مزدهر يدعمها ويحميها إلاَّ بإيجاد تعليم عصرى يحل محل التعليم التقليدي، وهذا التعليم العصرى يجب أن يقتبس من أوروبا، وبالفعل فإنه قام منذ 1809 بإرسال بعثات تعليمية إلى عدة مدن إيطالية مثل ليفورنو وميلانو، فلورنسا ووروما وذلك لدراسة العلوم العسكرية وطرق بناء السفن والطباعة. وأتبعها ببعثات لفرنسا وكان أشهرها بعثة1826 التى تميز فيها إمامها المفكر والأديب رفاعة رافع الطهطاوى الذى كان له دوره الكبير فى مسيرة الحياة الفكرية والتعليمية فى مصر.
إنجازاته:
تعد إنجازات محمدعلى تفوق على كل إنجازات الرومان, والروم البيزنطيين والمماليك, والعثمانيين وذلك لأنه كان طموحا بمصر ومحدثا لها ومحققا لوحدتها الكيانية وجاعلاً المصريين بشتى طوائفهم مشاركين فى تحديثها والنهوض بها معتمداً على الخبراء الفرنسيين. كما أنه كان واقعياً عندما أرسل البعثات لفرنسا وإستعان بها وبخبراتها التى اكتسبتها من حروب نابليون، وهو لم يغلق أبواب مصر بل فتحها على مصراعيها لكل وافد. وإنفتح على العالم ليجلب خبراته لتطوير مصر، ولأول مرة أصبح التعليم منهجيا، فأنشأ المدارس التقنية ليلتحق خريجوها بالجيش، وأوجد زراعات جديدة كالقطن وبنى المصانع واعتنى بالرى وشيد القناطر الخيرية على النيل عند فرعى دمياط ورشيد.
التعليم:
اهتم "محمد على" بالتعليم بدرجة لم يسبقه إليها أحد ممن وذلك لإدراكه أن شعوب اوروبا لم تنهض إلا بنهضة التعليم فحرص على إنشاء التعليم النظامى الواضح المعالم لأول مرة فى مصر, وأنشأ العديد من الكليات أو ما كان يطلق عليها آنذاك المدارس لتعليم كافة أبناء الشعب المصرى, ومنها المدارس الحربية مثل مدرسة السوارى أوالفرسان بالجيزة، مدرسة المدفعية بطره, مجمع مدارس الخانكة،مدارس الموسيقى العسكرية وغيرها من المدارس، أيضا كان هناك العديد من المدارس الأخرى مثل "مدرسة الولادة" واستجلب لها القابلات اللائى كن يعملن بتلك المهنة آنذاك ليتم تدريبهن على أسس علمية صحيحة ومنحهن شهادات معتمدة.
ومدرسة الطب أو مدرسة القصر العينى ومدرسة الطب البيطرى ومدرسة الزراعة، مدرسة الطوبجية بشبرا، التى تحولت بعد ذلك إلى مدرسة المهند س خانة والآن كلية الهندسة وكان الغرض من إنشائها عسكريا بالأساس, هذا لتزويد الجيش المصرى بالبنائين المحترفين اللازمين لإنشاء الحصون وتطوير العمارة وما إلى ذلك.. مدرسة الألسن وكان موقعها هو مكان فندق شبرد القديم على بركة الأزبكية الذى كان بالأساس منزل محمد بك الألفى, وهو نفس البيت الذى سكنه نابليون بونابرت فى أثناء الحملة الفرنسية.
و قد أنشأ محمد على مدرسة الألسن نظراً لأنه لاحظ أن أبناء الأرمن والأقباط واليهود والشوام يستطيعون الترقى فى أعلى المناصب أو إنعاش تجارتهم وازدهارها لقدراتهم اللغوية الجيدة، وإلمامهم بالكثير من اللغات مما يجعلهم يحسنون التعامل مع الجالية الأجنبية فى مصر والتقرب منهم سواء بغرض التجارة أو التعليم.
ربط محمد على القاهرة بالأقاليم ووضع سياسة تصنيعية وزراعية موسعة وضبط المعاملات المالية والتجارية والإدارية والزراعية لأول مرة فى تاريخ مصر.
النهضةالصناعية:
كما اهتم صانع مصر الحديثة بالتعليم بمصر بمختلف أنواعه أهتم أيضا بالصناعة التى تطورت تطوراً كبيراً فى عهده والتى أصبحت ثانى عماد للدولة بعد التعليم بكافة أشكالها وبخاصة الحربية لمواكبة الأنظمة التى كانت موجودة بأوربا وحتى لا تعتمد مصر على جلب كافة احتياجاتها من الخارج الأمر الذى سيجعلها تحت رحمة الدول الكبرى من ناحية واستنزاف موارد الدولة من ناحية أخرى إلى جانب أن معظم الخامات المستخدمة فى الصناعة كانت موجودة فعلاً بمصر فضلا عن توفر الثروة البشرية, وتبنى "محمد على" السياسة التصنيعية لكثير من الصناعات.. منها:
الصناعات التجهيزية والتى تمثلت فى صناعة آلات حلج وكبس القطن, وفى مضارب الأرز ومصانع تجهيزه، وتجهيز النيلة للصباغة، ومعاصر الزيوت ومصانع لتصنيع المواد الكيماوية كما قام محمد على باستبدال الطرق البدائية فى الصناعة وتطويرها بإدخال الآلات سواء الميكانيكية أو التى تدار بالبخار والمكابس.
واهتم أيضاً بالصناعات التحويلية وهى الصناعات المتعلقة بالغزل والنسيج بكافة أنواعها, فقد أقام مصانع للنسيج, وكان أول مصنع حكومى بمصر هو مصنع "الخرنفش" للنسيج، وأيضاً مصنع الجوخ الذى جلب له خبراء من بريطانيا للتأسيس وإدارة تلك الصناعة فى مصر بالإضافة إلى تعليم العاملين فى هذا المصنع أسرار الصنعة لتقوم عليهم بعد ذلك تلك الصناعة، وكان الغرض من إنشاء مصنع الجوخ هو توفير الكسوة العسكرية للجيش المصرى.
واهتم أيضاً بالترسانة البحرية فأسس مصنع السفن الموجود إلى الآن على النيل بإمبابة, وجلب له خبراء من أوروبا لتعليم المصريين تلك الحرفة ولأول مرة بمصر توجد ترسانة سفن عملاقة بالشكل الحديث المتعارف عليه، وكان لتلك الترسانة الفضل فى إنشاء جميع سفن الأسطول المصرى الذى غزا به محمد على أوروبا بعد ذلك.
ثم بدأت تتوالى المصانع سواء الحربية أو غيرها الأمر الذى أدى بمحمد على إلى اتباع سياسة خاصة للنهوض بهذه المصانع بدأها أولا باستخدام الخبراء والصناع المهرة من الدول الأوربية لتخريج كوادر مصرية من رؤساء وعمال وصناع وفنيين وإحلالهم محل الأجانب.
تنازله ورحيله:
تنازل عن العرش فى سبتمبر عام 1848 كما أورد بعض المؤرخين أنه قد أصيب بالخرف، وأورد البعض الآخر أنه قد أصيب بالجنون، واختلف المؤرخون فى الفترة التى عاشها بعد مرضه، ولكنهم أجمعوا أنه مات بالإسكندرية فى أغسطس 1849

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق